حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

81

التمييز

مبرأ من الحسد والهوى والكذب ، مركبا في الرفق والصبر وحسن الصمت . وحكمة الانسان التي يستحق أن يسمّى بها حكيما ثلاثة أقسام ؛ قسم من باب الفكر وهو أن يتفكر ويتصور المعنى المطلوب وهذا يسمى علم المعرفة ، وقسم في جودة تعبير ما يتصوره رسما ولفظا ، وقسم في جودة العمل وحراسته مما يفسده ، فإذا جمع العلم بحقائق الأشياء والبلاغة في التعبير عنها والقدرة على العمل بما علم فقد كملت عنده الحكمة واستحق أن يسمى حكيما ، ومن لم يكن حكيما لم يزل سقيما . والصدق قوام الحكمة ، وقال حكيم : من صدق مقاله استقام حاله ومن صدقت سريرته انفتحت بصيرته . الصدق إكسير الرجال . وقال بعضهم : الصدق قليل في أهل الصلاح . وقال رجل للجنيد « 1 » : أيّ العلم انفع ؟ قال : ما دلك على اللّه وبعدك عن نفسك ، والعلم النافع ما دل صاحبه على التواضع ودوام المجاهدة ورعاية السرّ ومراقبة الظّاهر والخوف من اللّه والاعراض عن الدّنيا وعن طالبها والتقلّل منها ، فانّ العالم إذا أحبّ الدّنيا وأهلها ، وجمع منها فوق الكفاية يغفل عن الآخرة وعن طاعة اللّه بقدر ذلك . قال اللّه تعالى : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ « 2 » وكان الحسن رضي اللّه عنه يقول : واللّه ما طلب هذا العلم أحد إلّا كان حظه منه ما أراد به ، كل علم لا يورث صاحبه الخشية والتواضع والنصيحة للخلق والشّفقة عليهم ، ولا يحمله على حسن معاملة اللّه ودوام موافقته وطلب الحلال وحفظ الجوارح وأداء الأمانة ومخالفة النفس ومباينة « 3 » الشهوات فذلك العلم الذي لا ينفع . وجاء في الحديث : التعوذ / 24 أ / باللّه من العلم الذي لا ينفع بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « أعوذ بك من علم لا ينفع » « 4 » ، وذلك تنبيها

--> ( 1 ) الجنيد هو الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي ( ت 297 ه / 910 م ) متصوف ، ولد ونشأ في بغداد ، وعده العلماء شيخ مذهب التصوف . وكان فقيها على مذهب أبي ذر . وفيات الأعيان 1 / 373 - 375 ؛ صفة الصفوة 2 / 416 - 424 ؛ طبقات الصوفية ، 155 - 163 . ( 2 ) سورة الروم : آية ( 7 ) . ( 3 ) مباينة الشهوات : مفارقة الشهوات ( اللسان : بين ) . ( 4 ) منتخب كنز العمال على هامش مسند ابن حنبل 1 / 348 ؛ المستدرك ( كتاب العلم ) 1 / 104 .